ابن قتيبة الدينوري

27

الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة

أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ « 1 » يريد اولي القوة في دين الله والبصائر ومنه يقول الناس ما لي بهذا الأمر يد يعنون ما لي به طاقة والوجه الثالث اليد بعينها ولكنه لا يجوز ان يكون أراد في هذا الموضع النعمة لأنه قال وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ « 2 » والنعم لا تغل وقال غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ معارضة بمثل ما قالوا ولا يجوز أن يكون أراد غلت نعمهم ثم قال بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ « 3 » ولا يجوز ان يريد نعمتاه مبسوطتان وكان مما احتجوا به للنعمة قوله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ « 4 » لو أراد اليد بعينها لم يكن في الأرض يهودي غير مغلول اليد فما أعجب هذا الجهل والتعسف في القول بغير علم « 5 » ألم يسمعوا بقول الله تعالى قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ « 6 » وبقوله قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ « 7 » وقوله لُعِنُوا بِما قالُوا « 8 » واللعن الطرد فهل قتل الله الناس جميعا وهل قتل قوما وطرد آخرين ولم يسمعوا بقول العرب قاتله الله ما ابطشه وأخزاه الله ما أشعره وبقول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل « تربت يداه » اي افتقر ولم يفتقر ولامرأة « عقرى حلقي » « 9 » ولم يعقرها الله ولا أصاب حلقها

--> ( 1 ) ص 45 ( 2 ) المائدة 64 ( 3 ) المائدة 64 ( 4 ) المائدة 64 ( 5 ) اما إذا كان احتجاجهم بعدم غل أيدي اليهود فعلا على أن الآية مجاز مصروفة عن ظاهرها لا على خصوص تأويل اليد بالنعمة فالاحتجاج وجيه ولا يحق النزاع الا فيما يتخير من طرائق المجاز على حسب تجاذب القرائن التي تتفاوت العقول في ادراكها والتنبه لها . ( 6 ) عبس 17 ( 7 ) التوبة 30 ( 8 ) المائدة 64 ( 9 ) من غير تنوين فيهما في رواية الأكثرين على وزن غضبى والمعروف في اللغة التنوين مصدرين لفعلين متروكين تقدير هما عقرها الله عقرا وحلقها حلقا يعني أصابها وجع في حلقها خاصة يقال للامر يعجب منه عقرا حلقا ويقال أيضا للمرأة إذا كانت مؤذية مشئومة كما في النهاية . والصيغ المستعملة في مقام التعجب من غير إرادة معانيها ألفاظ مسموعة غير مقيسة فعلى المصنف اثبات ان « غلت » تأتي بمعنى التعجب في استعمال العرب حتى يتم رده على من يجعله -